السبت، 18 أبريل، 2009

أطفال الشوارع


نحن الرجال ... قد ندمع أحيانا ... لكننا نسارع إلي إخفاء ما تساقط من درر ... والتظاهر بالقوة والصلابة ... لأننا تربينا على أن الدموع ليست لنا ... تربينا أن البكاء نقيصة في حق الرجل ... تجدنا إن خلونا بأنفسنا نسمح لذلك السيل العارم بالتدفق ... قد يستمر للحظات بسيطة فقط ويتوقف ... لكنك بعدها تشعر بالارتياح ... اذكر إنني قراءات دراسة مفادها أن البكاء يساعد على إطالة العمر ... لذلك تجد النساء أكثر تعمرا من الرجال ...


كما جاء في الدراسة أن البكاء يساعد على التخلص من السموم التي يفرزها الجسم عند التعرض للضغوط والتوتر ... قد ندمع عند الخشوع في الصلاة ... وقد ندمع عند التعرض لمصاعب كبيرة ... أو عندما نقهر ... قد ندمع عندما نحس باننا سنفقد من نحب , أو فقدنا من نعز ...

في إحدى الأمسيات الشتوية ... أثناء تجوالي في أحدى شوارعنا الراقية ... أو هكذا يدعون ... لفت نظري مشهد لم أتمكن من نسيانه حتى اليوم ... والسبب أنه باقي ومستمر ... مستمر في نفس الشخصية ... وفي الغالب مع شخصيات أخرى ... لفت نظري طفلة صغيرة مرتدية لزيي المدرسة تجلس في الشارع وتحمل كتاب المدرسة ... القلم في يدها ... تنظر للكتاب بشغف ... على ما اعتقد أنها كانت تحل احد تمارين الكتاب ... تلك الزهرة اليانعة كانت تمتهن تقديم خدمة الوزن ... أن تمتلك ميزان صغير لقياس وزن الراغبين من المارة مقابل القليل والقليل جدا من النقود ...

تلك الجميلة كانت تعمل وتدرس بجد في نفس الوقت ... اعترف لكم وأنا لم اعترف بهذا الاعتراف لأحد ... دمعت عيني ... أحسست بألم يهز صدري ... كبركان ثائر يأزني إزاء ... أحسست برغبتي بضم تلك الرائعة لصدري والبكاء بحرارة وكأني عثرت على بنيتي المفقودة من سنين ... والتي لم تأتي أصلا ... ولكني تنبهت سريعا أنني في الشارع ... سارعت لإخفاء تلك الدموع ... رسمت ابتسامة عريضة ... تقدمت منها ... تنبهت لي ... دنوت منها وهمست " ما شاء الله تدرسين ؟!" . أومت برأسها بالإيجاب ... قلت لها أسمعي بنيتي لن يفيدك في حياتك ولن يقيك غدر الزمان إلا دراستك ... دسست لها ما قدرت أن أساعدها به ... لن اذكره هنا لأني أحب أن لا يعلم به إلا ربي ... سارعت بالانصراف وهيا تصرخ " تعال أوزن !!". لكنني لم التفت خوفي أن تلحظ تلك الابتسامة العريضة الزائفة , أو هكذا تسميها عزيزتي (ن) وقد تحولت إلي وابل من الدموع ... أجهشت بالبكاء بحرارة ...

ما استطعت إخفائه في البداية لم استطع الصمود والاستمرار في التمثيل ... كل ما قدرت علية هو تنكيس راسي ومحاولة إخفاء وجهي بيدي ... خوفا أن تلحظني الصغيرة أو يلحظني المارة رغم قلتهم ذلك اليوم ...

مشهد ذلك اليوم نجدة يتكرر يوميا ... تجد أطفال كثر في عدد كبير من الشوارع يمتهنون تلك المهنة , هذا إن لم يمتهنوا مهن أخرى وأقسى من تلك ... تجد تلك البراءة تقذف وترمى كثيرا بأبشع الشتائم ... تنتهك أبشع الانتهاكات ... تخيلوا معي تلك الصحف البيضاء الصغيرة عندما يشخبط عليها بعشوائية ... تخيلوا عندما يتم كرمشتها ومحاولة فردها من جديد ... عندما تمزق أيفيد تلصقيها ببعض من جديد ... أيمكن أن تعود كسابقتها ... بيضاء ... ناعمة الملمس ... رقيقة ... تسر الناظرين ...

بالطبع لا وألف لا ... ذلك ما يحصل مع أطفال الشوارع هؤلاء ... تجد وجوهم وقد فقدت براءة الطفولة ... تجدهم يحملون ملامح الجدية في وجوههم ... لم يعد ينقصهم إلا بعض خصلات الشعر البيضاء وتجاعيد الوجه التي رسمها الزمن ... بالله عليكم كل ذلك إلا يفطر القلب...دعونا نتساءل فقط ... لا نخشى شيء ... هذا التساؤل بيننا وبين أنفسنا ... لماذا يحصل ذلك ؟؟ لماذا تلك البراءة تنتهك ؟؟ ما هو الوحش الخفي وراء ذلك ... أطفال يعملون ... فتيات يتركن الدراسة الابتدائية ونحن لازلنا نناضل من أجل إكمال الفتاة لتعليمها العالي ... كلهم ينتهكون ... يهانون ... يضربون ... يذلون ...

دعونا نتساءل ما هو الحل هذا إن لم يوجد حلول ... دعونا فقط نعترف بالمشكلة ... لان الاعتراف بالمشكلة هو بداية حلها ... دعونا لا نكتفي بقراءة هذه الأسطر وبعدها نستخدمها لإغراض كثيرة يكون مصيرها النسيان ... دعونا نبدأ بالتحرك ... بالمبادرة ... بالخروج عن المألوف ... دعونا نحاول ... أتريدون أن يبقى الحال على ما هو علية ؟؟؟


ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...